الجاحظ
34
كتاب البغال
قد باع وربح . فظنّ أنّ قوله : قد نفق ، من نفاق السّلعة . ومثل هذا وليس من ذكر البغال في شيء ، ما سمع رجل رجلا ينشد قوله : وكان أخلّائي يقولون مرحبا * فلمّا رأوني معدما مات مرحب فقال : مرحب « 1 » لم يمت ، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام ! ونظر أبو الحارث جمين « 2 » إلى أتان وحش ينزى عليها حمار أهليّ ، فأنشد : لو بأتانين جاء يخطبها * رمّل ما أنف خاطب بدم ونظر إلى برذون يستقى عليه الماء ، فأنشد : وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه * ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل هذا لو هملج « 3 » لم يصبه ما أصابه . قالوا : وكان لأبي الحارث بغل قطوف « 4 » ، فلما أعياه استقى عليه الماء ؛ فرآه يوما في الطريق ، وعليه مزادة ثقيلة ، وهو يمشي تحتها مشيا وطيئا ؛ فقال : لو مشي تحت الخفيف كما يمشي تحت الثقيل ، وكان الإنسان أحبّ إليه من الرّاوية ، ربح هو الكرامة ، وربحت أنا الوطاءة ! قال : ونظر أعرابيّ إلى بغل سقّاء ، وقد تفاجّ ليبول ، فاستحثّه
--> ( 1 ) هو مرحب اليهودي ، قتله علي بن أبي طالب في غزوة خيبر ، وكان خرج إليه محمد بن مسلمة فضربه فقطع رجليه وسقط . ثم مر به علي فضرب عنقه . ( 2 ) أبو الحارث جمين ، أو جميز ، أحد أصحاب الفكاهة من معاصري الجاحظ ودعبل بن علي ، وسيابة . ( 3 ) هملج : تبختر في مشيته . ( 4 ) قطوف : سيّئ السير وبطيئه .